الشباب والذكاء والأصحاب: بين التغطية والتغذية
فمن الشباب صنف ترسمت فيه ملامح النبوغ والذكاء من أيام صباه… ثم لما يكبر تزداد معارفه ومصاحباته، ويسير على هذا النسق حتى يدخل بوابة العشرينات؛ فإذا به شاب قد تعلم واكتسب معارف خاصة وعامة..
فماذا عن ذكائه؟
وأين هي ملامح نبوغه التي كانت في طفولته؟
فهل نمت مع نمو بدنه وتقدم سنه أم توقفت، ونقصت، وخبت؟
والذي ينبغي ألا يغفل عنه أي شاب في مقتبل العمر؛ هو أن مخالطاته لأترابه من الشبان؛ هي إما أن تكون نعمة عليه؛ وهذا فضل الله ومنه وكرمه سبحانه؛ وإما أن تكون نقمة عليه؛ نسأل الله العافية والسلامة…
وهذا شيء معلوم وشائع…
وفي ثنايا هذه العلاقات من الصحبة والمجالسة، سواء بالأبدان، أو على الخط، كما يقال في هذا العصر؛ أي عن طريق الأنترنت؛ فإن الأصحاب منهم من يغذي ذكاءك ويزيد في نمائه، وتشكله، وتعقده؛ يحدث ذلك ويشعر به الشاب الذكي بسبب ذكائه ابتداء… ثم يلمسه ويعاينه على مر التجارب وتعاقب المواقف والأحداث…
فمن الناس من يرتفع ويرفعك معه… هم أسباب جعلها الله العليم القدير على طريقك… فما أعظم هذا الصنف وما أنبل صحبته…
وعلى الطرف الآخر؛ يقع الصنف الثاني من الأصحاب…
هم أناس يقعون في طريقك؛ فيغطون ما وهبك الله من ذكاء من سن طفولتك ونما معك إلى شبابك…
والشباب هو مرحلة تحويل الذكاء إلى إنجازات حقيقية ظاهرة تنفع صاحبها وتنفع الناس…
فسن الشباب تحديدا؛ هو زمن تغذية الذكاء ليزيد ويستقر معك إلى آخر أيام حياتك… تغذيه بالعلم النافع والعمل الصالح؛ وهو العمل المفيد للعامل وللناس.
فالشباب بستان العمر الفسيح… بستان تهيئت تربته من أيام الصبا وما قبلها؛ فيتحضر بذلك للشاب العمل فيه على الدوام… ومعه أصحابه وأصدقاؤه؛ كل معه بستانه؛ وكلهم زراع؛ يزرعون ما سيحصدونه في ساحات العمر على تعاقب السنين…
والزراع منهم الحاذقون؛ بتوفيق الله؛ وهم الذين يخدمون بستانهم وبستانك؛ يغذون ذكاءهم وذكاءك؛ يرتفعون بذواتهم ويرفعونك…
قاعدتهم في العمل: « المسلمُ أخو المسلمِ… » البخاري.
وشعارهم: « والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ: لا يُؤْمِنُ أحدُكُم؛ حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ من الخيرِ. » النسائي وصححه الألباني.
وغايتهم جميعا؛ التي يعبر عنها كل واحد منهم بحسبه؛ أي بحسب عمله، ومجاله، وتخصصه؛ هي: « أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس. » الطبراني وصححه الألباني.
فهؤلاء هم الأصحاب، وهؤلاء هم من يغذي ذكاء الشباب… فنعم الجلساء ونعم الأحباب.
أما المُغَطُّونَ لذكاء الأذكياء… فهم في الحقيقة أعداء في صورة أصدقاء.
لهم أساليبهم ذوات الوجوه الكثيرة في تحريف مسار الشاب الذكي إلى أن يغدو من أغبى الناس وأعطلهم عن المزايا والرتب؛ إن لم يتداركه الله بلطفه ورحمته…
فنسأل الله السلامة والعفو والعافية لنا ولجميع شباب المسلمين، آمين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ناهيا:
« لا تصاحبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكلْ طعامَك إلا تقيٌّ. » أبو داود وحسنه الألباني.
وقال صلى الله عليه وسلم مبينا وآمرا:
« الرجلُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم من يُخالِلُ. » أبو داود وحسنه الألباني.
وقال صلى الله عليه وسلم مبينا وواصفا ومحذرا:
« إِنِّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ ، وجَلِيسِ السُّوءِ، كَحامِلِ المِسْكِ، ونافِخِ الكِيرِ ، فَحامِلُ المِسْكِ، إِمَّا أنْ يَحْذِيَكَ (أي يعطيك)، وإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، ونافِخُ الكِيرِ، إِمَّا أنْ يَحْرِقَ ثَيابَكَ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ رِيحًا خَبيثَةً. » متفق عليه.
وإنه لَمِمَّا هو معلوم بالواقع، وثابت بالمشاهدة، وممحص بالتجربة؛ أن المجالسة إذا أورثت المؤانسة: توَرَّثت منها المجانسة.
فالجلساء يؤثر بعضهم على بعض؛ ويأخذ الصاحب من خصال المصاحب؛ ويقتبس كل صديق من خصال وطباع صديقه…
وكما قيل: « الطبع سراق. »؛ يعني: يأخذ من محامد ونقائص جليسه وصاحبه من طرق لطيفة خفية، وبعفوية؛ قد لا ينتبه لها في الحال…
ولَرُبَّما لا ينتبه لها حتى في المآل…
فالصاحب ساحب؛ يسحبك إلى الخير؛ إن كان من أهله، ويسحبك إلى غير ذلك إن كان على غير ذلك.
فمجالسة الصالحين: تحثك على الصلاح، ومجالسة العلماء والمتعلمين: تحركك إلى العلم والتعلم، ومجالسة البطالين: تستمرئ فيك البطالة والعدامة، ومجالسة الغافلين: تورثك الغفلة وبُعد الشُّقَّة عن الذكرى… فمصيرك في النهاية إلى الندامة.
ولاسيما في زمن وسائل التواصل، والمجموعات المغلقة، والحسابات المجهولة النسب والهُوية؛ المغلفة بالكُنى المبتورة وبالأسماء المستعارة؛ التي تحجبك عن معرفة من وراءها… فكلٌّ يميل إلى مِثله ويخالط شَبَهَه؛ فما خالط الناس إلا أشباههم.
» فالطيور على أشكالها تقع ». و »الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ. » مسلم.
فيا من رزقك الله ذكاء وصفاء؛ توكل على الله مولاك؛ واسأله أن يعينك على تزكية نفسك والثبات على دينك وأن يستعملك في طاعته… فإن أهل الذكاء من الأزكياء قليل… وإنهم هم الصالحون، وهم المصلحون.
ك/ د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد
https://scienceetpratique.com/?p=14360: موقع العلم والعمل
