يا بنَ الخطَّابِ: أما ترضَى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدُّنيا؟
نقرأ ونسمع هنا وهناك أن الغرب – وخاصة الأمريكان – يستعملون وسائل التواصل وكذلك الآن الذكاء الاصطناعي، وغيرها من التقنيات، لجمع المعلومات والبيانات ليسخروها للمزيد من التطور والهيمنة على العالم…
وهذا لا شك أن فيه جانب كبير من الصحة؛ فالقاعدة المعلومة منهم؛ أنهم لا يعطونك شيئا من دنياهم بلا مقابل؛ هذا من جهة؛ ومن جهة؛ فإذا وقع أن خرجوا عن قاعدتهم؛ فأعطوك شيئا من دنياهم بلا مقابل؛ كما هو الحال فيما يبدو من ظاهر تسخير وسائل التواصل والمواقع والذكاء الاصطناعي إلى حد ما…؛ فاعلم إذن أنهم يأخذون منك أشياء لا تعلم بها؛ لا أنت ولا أنا؛ تعود عليهم بالنفع والربح والتخطيط للقوة وتخليد السيطرة والمجد التليد؛ في زعمهم؛ ولو على الأمد البعيد، ما لا يأتي على بال…
ولكن الذي أريد التنويه عليه هو أن المسلم المبارك؛ باتباعه الكتاب والسنة وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام البررة رضي الله عنهم؛ فإنه بحسن نيته وإخلاصه لربه ينشر الكلمة الطيبة والمعلومة الإسلامية النافعة في هذه الفضاءات؛ فيكتب له الله من الأجر ما يجده يوم القيامة، ويجده أويجد بعضه أو أثره في الدنيا، ما لا يأتي على باله أبدا؛ فإن العظيم جل وعلا عطاؤه عظيم وعميم.
وبيان ذلك؛ أن لا شيء في هذه الدنيا يعادل تبليغ ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم: « بلغوا عني ولو آية. » (البخاري).
وإن الله لينفع بكلمة تقولها بلسانك أو سطر تخطه يمينك أناسا لا تعلمهم ولكن الله يعلمهم؛ فتدخل بذلك في زمرة بشارة النبي صلى الله عليه وسلم التي أقسم بالله على ثبوتها: « فو اللهِ لَأنْ يهديَ اللهُ بكَ رجُلًا واحدًا خيرٌ لكَ مِن أنْ يكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ » البخاري ومسلم.
ولكن المرء يغفل ويلهو عن تبليغ الدين، ولا سيما في هذه الأزمان التي يتراءى فيها للناظرين أن الغلبة والظهور فيها للشر والفتن وأهلهما؛ فيفشل الكثير ويضعف عن نشر الإسلام ومواصلة درب تبليغ الرسالة؛ التي هي رسالة كل مسلم؛ إلا أن العمل في هذه الأزمان الحالكات بالذات مما يعظم به الأجر للعاملين الصابرين؛ ولو بالعمل القليل؛ فيجعله الله مباركا كثيرا من هذه الحيثية.
فالعمل أيام قوة الشر وأهله أعظم من غيره كما هو معلوم.
وكذلك يعظم الأجر بما يصلح الله من نيات عباده الداعين، ويقوي من رجائهم في إيصال النفع للناس أجمعين وهدايتهم إلى الله؛ « فعلى قدر النوايا تكون العطايا »؛ كما قيل.
ولعل جماع ذلك كله؛ هو قوله سبحانه :((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)).
فذكر الله جل وعلا هنا أحسن القول؛ وهو الذي يخرجه صاحبه مخرج الدعوة بعقد النية؛ ثم قرنه بالعمل الصالح.
فإن الدعوة بمفهومها العام والشامل يدخل فيها كل كلمة طيبة وقول حسن وعمل صالح يقصد به صاحبه هداية الخلق على ما يرضاه الخالق: « فإنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى ». البخاري ومسلم، « ومن عمل عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ». البخاري ومسلم.
قال العلامة الفهامة عبد الرحمن السعدي، رحمه الله، في معرض تفسيره لهذه الآية العظيمة:
« هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر؛ أي: لا أحد أحسن قولا. أي: كلامًا وطريقة، وحالة ((مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ))؛ بتعليم الجاهلين، ووعظ الغافلين والمعرضين، ومجادلة المبطلين، بالأمر بعبادة الله، بجميع أنواعها… »
إلى أن قال بعد أن عدد أصنافا من العمل والقول مما يشمله مسمى الدعوة: »ومن ذلك، الوعظ لعموم الناس، في أوقات المواسم، والعوارض، والمصائب، بما يناسب ذلك الحال، إلى غير ذلك، مما لا تنحصر أفراده، مما تشمله الدعوة إلى الخير كله، والترهيب من جميع الشر. »
ثم ختم شرحه بقوله:
« ثم قال تعالى: ((وَعَمِلَ صَالِحًا)} أي: مع دعوته الخلق إلى الله، بادر هو بنفسه، إلى امتثال أمر الله، بالعمل الصالح، الذي يُرْضِي ربه. ((وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) أي: المنقادين لأمره، السالكين في طريقه، وهذه المرتبة، تمامها للصديقين، الذين عملوا على تكميل أنفسهم وتكميل غيرهم، وحصلت لهم الوراثة التامة من الرسل، كما أن من أشر الناس، قولاً، من كان من دعاة الضالين السالكين لسبله.
وبين هاتين المرتبتين المتباينتين، اللتين ارتفعت إحداهما إلى أعلى عليين، ونزلت الأخرى، إلى أسفل سافلين، مراتب، لا يعلمها إلا الله، وكلها معمورة بالخلق ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)) » تفسيره رحمه الله.
فبهذا يتبين لكل مسلم حصيف مَبْلَغُ نشر الخير بين الناس، وجزيل ما يدخره له الله من الأجر الذي لا يأتي عليه العد ولا الحساب؛ فتلك خزائن الله؛ لا يعلم مبلغ ما أودع فيها من أجور إلا هو؛ سبحانه.
فالمسلم في الحقيقة لا تروعه تكنولوجيا من لا خلاق له في الآخرة، ولا تصده عن دينه والعمل لدينه مخططات من وصفهم الله خالقهم؛ وخالق كل شيء؛ العالم بهم :((وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)).
بل المسلم الحق يتعلم ويعمل ويجد ويجتهد؛ وهو ملازم لاعتقاده بالله ويقينه بالآخرة؛ وهو يتمثل في خلده ويعقد في قرارة قلبه تلك القاعدة الحكيمة القويمة؛ التي من التزمها صفى ذهنه وارتاح قلبه؛ ألا وهي:
« على المسلمين البلاغ، وعلى الله سبحانه الهداية ».
وفي الأخير؛ فأود التنبيه إلى أن العمل للدين والدار الآخرة لا يتنافى مع العمل لإصلاح الدنيا والمعيشة فيها، والسعي بالسبل المشروعة النافعة لتقوية الأمة؛ والسهر والإبكار؛ لأجل التقدم والابتكار؛ وجعل الأمة في مصاف الأمم؛ بل الواجب السعي والجد لإرجاعها إلى مقدمة الأمم كما كانت.
فالمسلم يفهم هذا ويقتدي بأسلافه أيام دانت لهم ممالك الروم والفرس؛ فيعمل مثلما عملوا.
قال الله تعالى ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)).
قال الإمام القرطبي، رحمه الله، في تفسيره:
« قوله تعالى وقل ((اعملوا)) خطاب للجميع . فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون أي بإطلاعه إياهم على أعمالكم. وفي الخبر: « لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان. » اه.
والمسلم الأريب المستمسك بالله؛ لا يعجز، ولا يكل، ولا يمل؛ ويعلم أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي قال للفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه:
« يا بنَ الخطَّابِ أما ترضَى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدُّنيا »؛ هو نفسه الذي ملأ الدنيا علما وعملا، وأرسى قواعد السؤدد والقوة والفلاح في أمته.
والمسلم يعلم أيضا ويفهم؛ بل عليه أن يفهم كما فهم عمر؛ أن عمر الذي وُجه له هذا الخطاب النبوي الكريم:
« يا بنَ الخطَّابِ أما ترضَى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدُّنيا »؛ هو نفسه عمر الذي فتح أمصارا من الدنيا بعد رفيق دربه وصاحبه: الصديق الأكبر أبو بكر، رضي الله عنه؛ وعلى ذلك سار الخلفاء وكل الصحابة العظماء، رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم.
فلم يركنوا إلى الأرض ولم يصفوا في مصف الخائرين؛ بل فتحوا الدنيا وهم يعملون بالدين؛ وعلى ذلك جرى عمل أهل السنة الفاتحين.
عن عمر رضي الله عنه قال:
« دخلتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ وهو على حصيرٍ، قال :
- فجلستُ؛
- فإذا عليه إزارُه، وليس عليه غيرُه،
- وإذا الحصيرُ قد أثَّر في جنبِه،
- وإذا أنا بقبضةٍ من شعيرٍ نحوَ الصَّاعِ،
- وقَرظٍ في ناحيةٍ في الغرفةِ،
- وإذا إهابٌ مُعلَّقٌ؛
- فابتدرت عيناي؛ فقال:
- ما يُبكيك يا بنَ الخطَّابِ؟
- فقال: يا نبيَّ اللهِ وما لي لا أبكي وهذا الحصيرُ قد أثَّر في جنبِك وهذه خِزانتُك لا أرَى فيها إلَّا ما أرَى، وذاك كسرَى وقيصرُ في الثِّمارِ والأنهارِ، وأنت نبيُّ اللهِ وصفوتُه وهذه خِزانتُك!
- قال: يا بنَ الخطَّابِ أما ترضَى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدُّنيا. »
فنبهه، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، إلى الأصل والمغزى من وجودنا؛ وهو الاهتمام بالآخرة؛ مع أن من كان همه الآخرة: أتته الدنيا وهي راغمة، كما ثبت في الحديث الصحيح.
فعن زيد بن ثابت أن النبي، صلى الله عليه وسلم قال : »من كانت الدُّنيا همَّه، فرَّق اللهُ عليه أمرَه، وجعل فقرَه بين عينَيْه، ولم يأْتِه من الدُّنيا إلَّا ما كُتِب له، ومن كانت الآخرةُ نيَّتَه، جمع اللهُ له أمرَه، وجعل غناه في قلبِه، وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ. » صححه الألباني في الصحيحة.
فهنا مربط الفرس، وبهذا نال المسلمون العز، وقهروا جبابرة الأمم، وأرجعوهم إلى الله بعد أن استحوذت عليهم الشياطين.
فاعلم علم يقين؛ أن المسلمين لن يرجع لهم ذلك العز إلا برجوعهم إلى دينهم وتمسكهم به كما تمسك به أسلافهم.
فإنما هو إرث وميراث ورثوه ثم أهملوه؛ ومن ترك إرثه لم ينتفع به.
قال عمر الفاروق الملهم: » إنَّا كنَّا أذَلَّ قومٍ؛ فأعزَّنا اللَّهُ بالإسلامِ؛ فمهما نطلُبِ العِزَّةَ بغيرِ ما أعزَّنا اللَّهُ به: أذلَّنا اللَّهُ. « صحح هذا الأثر الإمام الألباني، رحمه الله، في السلسلة الصحيحة.
وكتبه أخوكم/ د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد
أستاذ محاضر في علوم اللسان – باللغة الفرنسية –
متخصص في المصطلحات الإسلامية في اللغة الفرنسية.
موقع العلم والعلم
