الإسلام يعلو فوق البعد الزماني والمكاني للإنسان*

بدياف

بعض المثقفين والدكاترة والكتاب المتشبعين بالفكر الغربي المنبهرين بحضارة أوربا الآيلة إلى الزوال؛ لما يجنح إلى إلغاء الفوارق بين المؤمن والملحد؛ يذكر لك أن أساس الدين هو التعارف بين الناس؛ ويعدد لك لإقناعك مزايا الانفتاح على الآخر، وقبول الآخر…

ولكنه إذا رأى منك مقاومة لتلك الإجمالات التي يرسلها على عواهنها وتلك التعميمات التي يسرح فيها ويسبح في فلكها (يريد أن يجعلها هي القاعدة الشمولية؛ ويدعي وجوب انضواء كل البشر تحت لوائها)؛ ذكر لك قول الله جل ذكره؛ فيقول:
« ألا ترى أن الله خلقنا لنتعارف، ونتحاب جميعا…، فهو الذي قال: ((وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ))!
فهذه الآية الكريمة قد استغلها المستغلون؛ كل بحسب ما يمليه له مَشرَبُه من هوى.

والعجيب أنهم لا يذكرونها لك كاملة… والسبب طبعا معلوم.

فتأملها كاملة رحمك الله:

قال الله تبارك وتعالى:

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) (الحجرات: 13).

فأنت؛ أيها القارئ الفطن اللبيب؛ ترى أن الله تقدس اسمه قد ختم الآية بقوله: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))؛ وهذا بيان صريح بأسلوب فصيح ولغرض جميل ومليح؛ أن أساس العلاقات بين البشر، وهدفها، وثمرتها؛ هو تقوى الله جل وعلا؛ التي معناها تحقيق عبوديته بفعل المأمورات وترك المحظورات إخلاصا له سبحانه.

ومثل هذا تجده أيضا في أبهى وأوضح ما يكون من عبارة في قوله العزيز ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) (المائدة: 02).

ولقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم آية الحجرات السالفة، كما في الحديث الذي رواه الترمذي (3270)، وصححه الألباني عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ حيث قال:

« أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ خطبَ النَّاسَ يومَ فتحِ مَكَّةَ، فقالَ : يا أيُّها النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ قد أذهبَ عنكم عُبِّيَّةَ الجاهليَّةِ وتعاظمَها بآبائِها فالنَّاسُ رجلانِ :

برٌّ تقيٌّ كريمٌ على اللَّهِ،

وفاجرٌ شقيٌّ هيِّنٌ على اللَّهِ،

والنَّاسُ بنو آدمَ، وخلقَ اللَّهُ آدمَ من الترابِ،

قالَ اللَّهُ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) ».

و »عُبِّيَّةَ الجاهليَّةِ »؛ معناها التفاخر والتعاظم والحمية والعصبية التي كانت في العرب أيام جاهليتها.

فليس بعد بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان.

وبذلك الشرح النبوي يتهاوى هوى من اعتاد بتر نصوص الوحي أو لي أعناقها…

فإن الإسلام العظيم يعلو فوق نواميس البشر، وهو محيط بأبعادهم الزمانية والمكانية جمعاء بتعاء؛ ولأجل ذلك جعله الله صالحا مصلحا لحال البشرية في كل مكان وزمان.

والحمد لله رب العالمين.

وكتب، أخوكم/ د. أبو فهيمة عبد الرحمن عيَّاد

……
*البعد الزمكاني (أو الزمكان)؛ مصطلح يطلقه اللسانيون المعاصرون العرب (أو بعضهم) لمفهوم الزمان والمكان مجتمعين؛ وهذا النحت فيه نظر.

وهو نموذج لقياس كل ما يرتبط من أحداث وعادات وأفعال بني الإنسان… التي يحيط بها الزمان والمكان.
وهو مترجم من الفرنسية:

La dimension spatio-temporelle

أو من الإنجليزية:

The spatio-temporal dimension