التحري

بدياف

 وليس شيءٌ أحقَّ بالعاقل من أن يتحرَّى ألفاظَه، ويتصفَّحها بعقله قبل أن يدفعها إلى لسانه؛ ذلك أن اللفظة، وإن كان أصلُها صوتًا ماديًّا يفنى بانقضاء الكلام، إلا أن أثرها باقٍ، فهي شاهدٌ يُستدعى عند الخصومة، وأصلٌ تُبنى عليه الأحكام. فربَّ لفظةٍ ضاقت بمعنى صاحبها، فتوهم السامع منها غيرَ مراده، ثم لم يلبث ذلك الوهم أن صار طعنًا في صدقه، وشكًّا في وُدِّه، حتى تنقطع مع تراكمه أواصرُ المودة وروابطُ الألفة. وربَّ لفظةٍ تجاوزت المقصود الذي يرمي إليه صاحبها، فحُمِّل من الأقوال ما لم يقل، ونُسب إليه من اللوازم ما لم يعتقد، فوجد الشامتون إلى الطعن سبيلًا، وظفروا من لفظه بما لم ينالوا من فعله. ومن أجل ذلك كانت الأناة دأبَ الحكماء، فما كان لمن يتحرَّى كلامه أن يرسل لسانه دون أناة. فمثلُ هذه القوة تستغرق نظرَ العقل في تمحيص اللفظ، فتكفُّ اللسان عن الإرسال، وتكبح جماحه، حتى إذا ما لُفِظَ الكلامُ صيغ محكمًا، لا يكاد يُرى له مغمز، لولا أن صاحبه بشر.

 

قرأه د. أبو فهيمة عباد الرحمن عياد

كتبه أبو المعالي إبراهيم الخطابي

يوم 03 ربيع الأول/ 1448 هـ

الموافق: 16/08/2026م

موقع العلم والعمل

(https://scienceetpratique.com/?p=14401