التكرار يمنع الابتكار
همسة في أذن مدرس العلوم الإنسانية
نعم، كل العلوم عابرة للجغرافية، بل حتى للزمن، ولكن طبيعة العلوم الإنسانية تقتضي الحذر في نقلها للطلبة، هي ليست كالعلوم التجريبية الصلبة كالكيمياء والفيزياء والبيولوجيا… هذه علوم عالمية لا تتغير نظرياتها ومناهجها بتغير البلدان؛ بينما ينبغي أن يحدث العكس في العلوم الإنسانية الخاضعة للفكر والتحليل والتأمل والملاحظة العقلية المجردة عن المادة…
فالبيئة التي نظر لها فيها هي غير البيئة التي تلقى فيها لطلابنا؛ فاختلاف العنصر البشري (دين، لغة، أعراف، ثقافة، تربية، بنية للمجتمع مختلفة، هيكل أسري متباين…) يقتضي تبيئة تلك العلوم وتوطينها قبل بثها في الشباب.
إلا أن الذي يقع من غالب المدرسين هو العكس مع الأسف؛ يعني تقدم النظريات للطلبة العرب كما يتعلمها الطلبة في الغرب؛ فهم تلائمهم لأنها نبعت من عمق واقعهم ومجتمعاتهم، أما نحن فلا.
نحن تصلنا في أطروحات ومصطلحات ونظريات ونتائج جاهزة ومعلبة؛ فيعرض على الطلبة أطروحات وظواهر غريبة عنهم، لا يعيشونها؛ وما لذلك من فائدة، ولهذا قل نفعها، إن لم نقل انعدم.
وخذ مثالا على تبعية العرب للغرب في العلوم الإنسانية، وقس عليه غيره: علم النفس، وما أدراك ما علم النفس!
فهو أحد العلوم التي نقلت إلينا من الغرب على طريقة النسخ واللصق، وهذا أمر خطير؛ فأصبح النفسانيون يشخصون أمراضا للمسلمين لا واقع لها، لأنهم أخذوا تلك التشخيصات ومسميات تلك الأمراض من الغرب بحذافيرها دون تمحيص، والغرب أخذ كثيرا منها من الإغريق والرومان الوثنيين، فخلط النفسانيون العرب خلطا عجيبا وخطيرا في آن واحد…
لما أتأمل في بعض مسمياتهم، مثل
Le complexe d’Œdipe
« عقدة أوديب »، التي اخترعها سيغموند فرُويد لتحليل العقدة الجنسية لدى الصبيان، زعم وكذب، وهو استنبطها، وهنا العجب العجاب، من أسطورة إغريقية!
تصور…
فلما يفكر الدارس المسلم العارف بمنهج الإسلام في هذه الأمور ويقارن ويحلل؛ يدرك خطورة الموقف وعظم العبث بالعقول، نسأل الله السلامة والعافية…
حتى أنه يوجد أطباء نفسانيون يرون الشذوذ الجنسي أمرا طبيعيا والعياذ بالله…
ومنهم من ينكر المس والعين والسحر…
ينكرون هذه الأمور المعلومة بالضرورة في بيئة مسلمة!
وهي أمور مرتبطة بعقيدة المسلم وبالإيمان بالغيبيات والجن والشياطين والجنة والنار…
كل هذه المعتقدات الإيمانية تبني نفسية المسلم، ويتفاعل معها ويصح ويمرض ويتعافى ويغذي إيمانه وشخصيته الإسلامية بها وبغيرها… ثم يأتي علم النفس الغربي القائم على الإلحاد والكفر بالغيبيات، فينسف ذلك كله، ويقلده في ذلك النفسانيون في عياداتهم، من الذين أخذوا شهاداتهم بالتكرار والاجترار، فبعدا لهم…
ولهذا قل من شفي في عيادة نفسانية بعيدا عن الطب النبوي العظيم.
فهذه الظاهرة في نظري؛ هي أحد أسباب قبوع البلدان الإسلامية العربية في التخلف.
ونسأل الله سبحانه أن يصلح حالنا.
ك/ د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد
موقع العلم والعمل
