من شبهات بعض الدكاترة (3)

اللغات كلها سواء حتى في أساليب إبداع المعنى!!

من شبهات بعض الدكاترة 3

فهنا شبهة وجهها لي أحد الباحثين المشتغلين بالبحث الأكاديمي اللغوي؛ مفادها أنك لكي تقول أن العربية هي أفضل اللغات؛ فلابد أن تكون لك دراسات أكاديمية قمت بها تثبت ذلك.

وهذه في الحقيقة شبهة خطيرة؛ مفادها أنك ما دمت لم تثبت بدراسات أكاديمية أفضلية العربية؛ فلا يحق لك إذن أن تقول ذلك؛ فيضربون بذلك دلالة القرآن والسنة على فضل العربية، ويجعلون وراء ظهورهم كل ما كتبه أعلام الأمة عن ذلك في القرون السوالف؛ وهي دراسات غير أكاديمية…

هؤلاء يظنون أنه لا يمكن إثبات الحقائق خارج إطار البحث العلمي الأكاديمي؛ أيظنون أنفسهم علماء كيمياء أو بيولوجيا؟!

ولكن في الحقيقة هو أراد بطلبه أن يعجزني؛ لأنه يعلم أن في الدراسات الأكاديمية يرفضون الاستدلال بالقرآن والسنة؛ وإنما يجب القيام بتجارب لغوية…(1)

يعني على منهج علوم اللسان الغربية الحديثة؛ التي يبحث هو في حقلها…

وهذا الدكتور، صاحب الشبهة، عضو دائم في إحدى المجلات اللغوية العربية…

قال الدكتور:

« أنا أعشق العربية. ولكن بودي يا أستاذ لو تحيلني على دراساتك التي تضمنت الحجج التي جعلت اللغة العربية سيدة اللغات. أنا بالفعل بحاجة إلى معرفتها. كنت أعتقد أن الإنسان إذا غاص في أعماق اللغة، أيا كانت هذه اللغة، اكتسب ملكة تذوق الجمال وأساليب إبداع المعنى. ولكن للأسف أن هذا ينطبق على كل اللغات وليس على اللغة العربية فقط. أما وأن اللغات في صراع، فالتاريخ يعلمنا أن الغلبة تكون، إلا في حالات قليلة، للغة قوم هم الغالبون: بعلمهم أو بقوتهم. »

فأجبته بالآتي:

« طلبت مني مراجع، طيب سأحيلك إلى أفضل مرجع في هذا الباب، ولكن بشرط أن تذكر لي أنت أيضا مثله في اللغات العالمية التي تظن أنها تسامي العربية.

المرجع هو كتاب الله العزيز: القرآن المجيد، اقرأه بتمعن وحضور قلب؛ تجد فيه أكثر مما طلبت.

أما عن القوة التي أشرت إليها، فاعذرني أخي الكريم أن أقول لك: إني أشك أنك تقرأ القرآن وتفهمه كما فهمه الرعيل الأول…

يا أخي الكريم، القوة التي ذكرتها لو أمكنها أن تقضي على العربية لما وصلت إلينا، فكم حاولوا وبشتى الوسائل ومن أيام الحروب الصليبية وغزوات التتار ومن أيام الاستعمار الإمبريالي إلى وقتنا… فهل قضوا عليها؟

العربية إنما تحفظ بحفظ الله لكتابه العظيم ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)).

هذه قوتها، فهي تستمد قوتها من كلام الله جل وعز.

ولن تجد في أقوى لغات العالم اليوم، مهما بحثت وأعياك البحث، واحدة منها تستند في قوتها إلى كتاب إلهي، لا يوجد.

بل أضيفك شيئا ذي صلة: لا يوجد في هذا الزمن عابد يتعبد الله عز وجل باللغة الأصلية لكتابهم السماوي، إلا المسلمون.

اللغات التي تظنون أنها عديلة للعربية؛ إنما تجد قوتها من خارج إطارها الطبيعي؛ يعني تكنلوجيا، هندسة، صناعات حربية، بيت (شبكة) العنكبوت…

فكلها أسباب قوة خارجة عن ماهية اللغة، وإذا اندثرت تلك الأسباب؛ اختفت تلك اللغات تدريجيا كما اختفت اللغات القديمة، ولا تزال تختفي عشرات اللغات سنويا…

وقد كانت تلك اللغات معاصرة للعربية؛ فانطفأت وبقيت العربية مشتعلة متوهجة تشع بأنوارها، ومن تلك اللغات الكبيرة التي انقرضت: اليونانية واللاتينية، وقبلهما الآشورية ومنها الأكادية وغيرها…

أما العربية؛ فقوتها في ذاتها ومن ذاتها. هذا من جهة، ثم في القرآن العظيم الذي نزل بها؛ فزادها قوة على قوة؛ ووعد الله سبحانه بحفظ كتابه؛ فتحفظ هي به…

وهنا نلمح حكمة من حكم اختيار الله عز وجل لأن تكون العربية هي لسان آخر كتبه: القرآن الحكيم.

أخي الكريم، أنصحك في الأخير أن تقرأ كتاب الله بتفهم وخشوع.

وفقنا الله جميعا للعلم النافع والعمل الصالح. »

فلم ينبس الدكتور بعد ذلك ببنت شفة. لكني وجدته قد جاء قبل قليل إلى أحد المعلقين على منشوري بالثناء؛ فوصفه بالغباء!

فلا أدري أصحيح أنه يعشق العربية، كما قال، أم أنه يريد أن يشنقها؟!

فلله درك أيتها العربية: سيدة اللغات، حتى عاشقيك؛ زعموا؛ فمن شدة عشقهم؛ انقلبوا ذامين لمادحيك!

……

*رده جاء على منشوري بالأمس « من شبهات بعض الدكاترة : كل اللغات متساوية !! ».

(1) لمزيد اطلاع حول الموضوع؛ تُنظر كتاباتي التوعوية على موقعي، وأخص بالذكر منها: »في استحالة تطبيق اللسانيات العصرية لتحليل النص القرآني بإطلاق: https://scienceetpratique.com/13455-2/، وكذلك كتابات أخرى على قناتي على التلغرام؛ ومنها « تكريس التبعية بالتقليد الأعمى »، « خطورة المصطلحات إذا لم تُنَقَّح »، « سؤال بريء: لماذا بعض الباحثين اللغويين العرب منهومون باللسانيين الغربيين؟ « ، « مرجعية القرآن والسنة في اللغة العربية »، « فلسفة القرآن! »، « لفتة إلى الدالات الذين يعترضون على ربط العربية بالإسلام »، « همسة في أذن الدالات (د.) من العروبيين ومن تشرب مشربهم »، وغيرها، وهذا رابط القناة: https://t.me/Linguistiqueetislam

ك/ د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد

05  رجب 1447

25/12/2025

موقع العلم والعمل