من وسائل الكذَّاب الزَّعم 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فمن وسائل الكذَّاب وأسلحته، زيادةً على الكذب، قول الزُّور، وقيل وقال، ونشر الشَّائعات، وقالوا وزعموا، والزِّيادة في النَّقل عمَّا سمع بقصد الأذيَّة، وشحن الصُّدور،، وإرخاء الأذن للكاذبين، وإقرارهم على باطلهم، والتآمر معهم، والإصغاء للمتخرِّصين، وحضور مجالسهم والتَّخرُّص معهم؛ فلمَّا لم يجد الكذَّاب مطاعن شرعيَّة فيمن ينصب لهم العداء ليطعنهم بها: اختلق لهم عيوبًا، وألصق بهم ذنوبًا، ولفَّق لهم تهمًا، وادَّعى عليهم أمورًا لم تخطر على بال… غير بال الكذَّاب، وفي قصَّة الإفك التي حدثت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم شواهد على بعض تلك الوسائل، وعلى ما يحدثه الكذب والبهتان من اضطراب وحيرة وحزن وقلق، وقد كان لرأس المنافقين: عبد الله بن أبي ابن سلول النَّصيب الأكبر من ذلك، حيث أنَّه هو الذي تولَّى كِبَره[1].

وقد قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: » كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. »[2]، وقال عليه الصَّلاة والسَّلام : » بِئسَ مطيَّةُ الرَّجلِ زَعَمُوا. »[3] ، ففي هذا الحديث  الحضُّ على التحرِّي والتبيُّن من صحَّة الأخبار، والنَّهيُ عن الإخبارِ بلا رويَّة ولا تثبُّتٍ؛  فينتُج عن عدم التَّثبُّت والتَّأكُّد مفاسد كثيرَة؛ من ترويجٍ للكذب والإشاعات، وتخبُّطٍ في المجتمع والعلاقات وظلمٍ للنَّاس؛ قال الله تعالى مناديًا أهل الإيمان آمرًا لهم : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ]الحجرات : 6[، وذكر الإمام القرطبيُّ أنَّ في « قراءة حمزة والكِسَّائي : ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾، قال ابن زيد ومقاتل وسهل بن عبد الله أنَّ الفاسق: الكذَّاب، وقال أبو الحسن الورَّاق: هو المعلن بالذَّنب، وقال ابن طاهر: الذي لا يستحي من الله. »[4] وقال سماحة الشَّيخ العلَّامة عبد العزيز آل الشَّيخ: » والمراد من التَّبيُّن التَّعرُّف والتَّفحُّص، ومن التَّثبُّت الأناة وعدم العجلة، والتُّبصُّر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتَّى يتَّضح ويظهر. »[5]

قال ابن مفلح رحمه الله: »قال ابن الجوزي في تفسيره: كان ابن عمر يقول « زعموا مطيَّة الكذب » وكان مجاهد يكره أن يقول الرَّجل: زعم فلان، اقتصر ابن الجوزي على الكراهة عنده (…) وإنَّما يقال زعموا في حديث لا سند له ولا يثبت فيه، وإنَّما يُحكى على الألسن على سبيل البلاغ، قدَّم من الحديث ما كان سبيله، والزّعم بضمِّ الزَّاي والفتح قريبٌ من الظَّنِّ، قال ]النَّووي[ في شرح مسلم في سجود التِّلاوة: الزَّعم يُطلق على القول المحقَّق، وعلى الكذب، وعلى المشكوك فيه، وينزل كلَّ موضع على ما يليق به وقال في أوَّل خطبة مسلم: كثر الزَّعم بمعنى القول. »[6]

وقال معالي الشَّيخ العلَّامة صالح الفوزان حفظه الله تعالى ورعاه: »فالكذب من كبائر الذُّنوب، ومن أنواع الكذب: الاعتماد على الزَّعم، الإنسان يتثبَّت ولا يخبر بشيء أو يتكلَّم بشيء إلَّا إذا تثبَّت من صحَّته ؛ حتَّى يبرأ من الكذب، أمَّا أن يعتمد على الزَّعم ففي هذا الحديث الذي سمعتم :«  بِئسَ مطيَّةُ الرَّجلِ زَعَمُوا. » أي يتَّخذ الزَّعم وسيلةً له، فيحدِّث النَّاس ويخبر ويقول زعم فلان أو زعموا كذا وكذا، فاترك كلمة زعموا، إذا لم تتثبَّت اتركها، والله جلَّ وعلا يقول : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ ]التَّغابن : 7[، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾  ]النِّساء : 60[ ، يزعمون؛ فالزَّعم كذب؛ فالإنسان يتثبَّت فيما يحدِّث، وفيما يصدر عنه، وفيما ينقله من الأخبار. »[7]

والزَّعم يأتي على معنى القول؛ فزعم بمعنى: قال[8]، « وأكثر ما يُقال فيما يشكُّ فيه »[9] وعلى: « القول بلا دليل »[10]، وهو « حكاية قولٍ يكون مظِنَّة (أي: احتمال) للكذب، ولهذا جاء في القرآن في كلِّ موضعٍ ذمَّ القائلين به، نحو ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ]التَّغابن : 7[،﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ ]الكهف : 48[،﴿زَعَمْتُمْ من دُونِهِ﴾ ]الإسراء : 56[« [11]؛ وقال العلَّامة بكر أبي زيد رحمه الله تعالى: »لم تجئ لفظة « زعم » في القرآن إلَّا في الإخبار عن قومٍ مذمومين في أشياءٍ مذمومةٍ، فكره النَّاس المذمومين في أخلاقهم، والكافرين في أديانهم، والكاذبين في أقوالهم… »[12]

وقد كرِه الله عزَّ وجلَّ لنا على لسان رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم القيل والقال، فقال : »إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ. »[13] ، قال العلَّامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: « كره وحرَّم ليس بينهما فرق؛ لأنَّ الكراهة في لسان الشَّارع معناها التَّحريم، ولكن هذا والله أعلم من باب اختلاف التَّعبير فقط. »[14]

كتبه أبو فهيمة عبد الرحمن عياد البحائي

وهو مستل من مقال « الكذب أخبث من البدع »… فما أقبحها من كبيرةٍ لا يقربها المؤمن

…………………………

[1] تُنظر قصَّة الإفك في « صحيح البخاري » (4141)، برواية صاحبة القصَّة: الصِّدِّيقة أمِّنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وكذا في كتب السِّيرة.

[2] رواه مسلم في مقدِّمة الصَّحيح (7).

[3] صحَّحه الألباني في « صحيح أبي داود » (4972).

[4] « الجامع لأحكام القرآن » للقرطبي (19/368).

[5] « الفتح الرَّباني مختصر تفسير الإمام الشَّوكاني »، للشَّبخ عبد العزيز آل الشَّيخ (4/335).

[6] « الآداب الشَّرعيَّة » لابن مفلح (27-28).

[7] من صوتيَّة على الشبكة للشَّيخ حفظه الله في شرح هذا الحديث بعنوان: التَّحذير من الكذب وبيان شيء من أنواعه.

[8] « مختار الصِّحاح » للرَّازي: مادة (زعم) (140).

[9] القاموس المحيط للفيروز آبادي: مادة (زعم) (1030).

[10] « كتاب التَّعريفات » للجرجاني (184).

[11] « مفردات ألفاظ القرآن » للأصفهاني (279).

[12] « معجم المناهي اللَّفظيَّة » للشَّيخ بكر أبي زيد (290).

[13] رواه البخاري (1477)، ومسلم (593(.

[14] « شرح رياض الصَّالحين » للشَّيخ العثيمين (3/211).

نشر على موقع

 https://scienceetpratique.com/9638-2/